محمد حسين علي الصغير

53

تاريخ القرآن

والسماع ممن شاهدوا التنزيل ، ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا عن علمها » « 1 » . ويجب الحذر والتحرز تجاه أسباب النزول ، فلا تؤخذ على علاتها ، بل يجب عرضها على القرآن نفسه ، فما وافق القرآن أخذ به ، وما عارض القرآن طرح ، فهناك التناقض الكثير في بعض الروايات ، وهناك القصص الخرافي في جانب منه ، وهناك الإسرائيليات المطولة التي لا يحتملها النص القرآني ، بل وهناك ما لا يوحي بالسبب فيسمى سببا ، وقد يطلق في هذا الضوء السبب على اللازم والمتعلق وهو غير السبب ، وقد يطلق السبب على ما يعتبر من باب الجري وقبيل الانطباق وليسا من الأسباب . ولو سلمت أسباب النزول من هذه الثغرات ، لكانت خير منار لتتبع كثير من تأريخية النزول على أتم وجه ، وأفضل سبيل للكشف عن كثير من الحالات النفسية ، والقابليات العقلية التي عليها القوم . إن هذا الجانب غني ببحوث القدامى ، فقد أفاض به كل من الواحدي والزركشي والسيوطي وأضرابهم ، ونقلوا فيه آراء السلف ، ولسنا بحاجة إلى نقدها ولا إلى سردها « 2 » . والحق أن تعيين أسباب النزول يعين كثيرا على معرفة المكي من المدني في وجه من الوجوه لارتباطه بالأحداث والتأريخ والأشخاص ولكن أغلب ذلك في الآيات لا في السور ، والروايات فيه متضاربة ومتعارضة . وتأريخية النزول تقتضي أن نعطي تقسيما للسور المكية والسور المدنية ، وقد سبق أن أفضنا أن لا سبيل لذلك إلا الرواية الثابتة ، وأني لنا ذلك ، فهناك اختلاف كثير في النقول بهذا الجانب ، وذكر جميع التفصيلات تطويل بغير طائل ، ولكننا سنلقي بالمسئولية على الزركشي فنثبت ما أثبته .

--> ( 1 ) السيوطي ، الاتقان : 1 / 89 . ( 2 ) ظ : تفصيل ذلك في كل من : الواحدي ، أسباب النزول + الزركشي ، البرهان : 1 / 22 - 33 + السيوطي ، الاتقان : 1 / 82 - 98 .